بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 71

حدّثني محرز بن سعيد النحويّ بدمشق قال : حدّثني محمّد بن أبي مسهر (1) بالرملة ،
عن أبيه عن جدّه قال : كتب المفضّل بن عمر الجعفيّ إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليهما‌السلام
يُعلمه أنّ أقواماً ظهروا من أهل هذه الملّة يجحدون الربوبيّة ، ويجادلون على ذلك ،
ويسأله أن يردّ عليهم قولهم ، ويحتجّ عليهم فيما ادّعوا بحسب ما احتجّ به على غيرهم .
فكتب أبو عبد الله عليه‌السلام :

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ أمّا بعد وفّقنا الله وإيّاك لطاعته ، وأوجب لنا بذلك رضوانه
برحمته ؛ وصل كتابك تذكر فيه ما ظهر في ملّتنا ، وذلك من قوم من أهل الإلحاد بالربوبيّة
قد كثرت عدّتهم واشتدّت خصومتهم ، وتسأل أن أصنع للردّ عليهم والنقض لما في
أيديهم كتاباً على نحو ما رددت على غيرهم من أهل البدع والاختلاف ، ونحن نحمد الله
على النعم السابغة والحجج البالغة والبلاء المحمود عند الخاصّة والعامّة فكان من نعمه
العظام وآلائه الجسام الّتي أنعم بها تقريره قلوبهم بربوبيّته ، وأخذه ميثاقهم بمعرفعته ،
وإنزاله عليهم كتاباً فيه شفاء لما في الصدور من أمراض الخواطر ومشتبهات الاُمور ، ولم
يدع لهم ولا لشيء من خلقه حاجة إلى من سواه ، واستغنى عنهم ، وكان الله غنيّاً حميداً .

ولعمري ما اُتي الجهّال من قبل ربّهم وأنّهم ليرون الدلالات الواضحات و
العلامات البيّنات في خلقهم ، وما يعاينون من ملكوت السماوات والأرض والصنع
العجيب المتقن الدالّ على الصانع ، ولكنّهم قوم فتحوا على أنفسهم أبواب المعاصي
وسهّلوا لها سبيل الشهوات ، فغلبت الأهواء على قلوبهم ، واستحوذ الشيطان بظلمهم
عليهم ، وكذلك يطبع الله على قلوب المعتدين . والعجب من مخلوق يزعم أنّ الله يخفى
على عباده وهو يرى أثر الصنع في نفسه بتركيب يبهر عقله ، وتأليف يبطل حجّته (2)

ولعمري لو تفكّروا في هذه الاُمور العظام لعاينوا من أمر التركيب البيّن ، ولطف التدبير
الظاهر ، ووجود الأشياء مخلوقة بعد أن لم تكن ، ثمّ تحوّلها من طبيعة إلى طبيعة ،
وصنيعة بعد صنيعة ، ما يدلّهم ذلك على الصانع فإنّه لا يخلو شيء منها من أن يكون
فيه أثر تدبير وتركيب يدلّ على أنّ له خالقاً مدبّراً ، وتأليف بتدبير يهدي إلى واحد
حكيم .

وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتاباً كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من
أهل الإنكار وذلك أنّه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند ، وكان لا يزال ينازعني في
رأيه ، ويجادلني على ضلالته ، فبينا هو يوماً يدقّ إهليلجةً ليخلطها دواءاً احتجت (3)
إليه من أدويته ، إذ عرض له شيء من كلامه الّذي لم يزل ينازعني فيه من ادّعائه أنّ
الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت واُخرى تسقط ، نفس تولد واُخرى تتلف ، وزعم
أنّ انتحالي المعرفة لله تعالى دعوى لا بيّنة لي عليها ، ولا حجّة لي فيها ، وأنّ ذلك أمر
أخذه الآخر عن الأوَّل ، والأصغر عن الأكبر ، وأنّ الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة
والظاهرة إنّما تعرف بالحواسّ الخمس : نظر العين ؛ وسمع الاُذن ؛ وشمُّ الأنف ؛
وذوق الفم ؛ ولمس الجوارح ؛ ثمَّ قاد (4) منطقه على الأصل الّذي وضعه فقال : لم يقع
شيء من حواسّي على خالق يؤدّي إلى قلبي ، إنكاراً لله تعالى .

ثمَّ قال : أخبرني بِمَ تحتجُّ في معرفة ربّك الذي تصف قدرته وربوبيّته ، و
إنّما يعرف القلب الأشياء كلّها بالدلالات الخمس الّتي وصفت لك ؟ قلت : بالعقل الّذي
في قلبي ، والدليل الّذي أحتجُّ به في معرفته .

قال : فأنّي يكون ما تقول وأنت تعرف أنّ القلب لا يعرف شيئاً بغير الحواسّ
الخمس ؟ فهل عاينت ربّك ببصر ، أو سمعت صوته باُذن ، أو شممتة بنسيم ، أو ذقتة بفم ،
أو مسسة بيد فأدّى ذلك المعرفة إلى قلبك ؟ قلت : أرأيت إذ أنكرت الله وجحدته (5)
________________________

(1) وفي نسخة : محمد بن أبي مشتهر .

(2) وفي نسخة : وتاليف يبطل جحوده .

(3) وفي نسخة : احتاج .

(4) قاد الدابة : مشى أمامها آخذاً بقيادها .

(5) وفي نسخة : إذا أنكرت الله وجحدته .