بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 31

ذلك مثل ما وصفته يا مولاي ؟ قال عليه‌السلام : ذلك للتأديب والموعظة لمن يحلّ ذلك به
ولغيره بسببه ، كما قد يؤدِّب الملوك الناس للتنكيل (1) والموعظة فلا ينكر ذلك عليهم
بل يحمد من رأيهم ويصوَّب من تدبيرهم ، ثمَّ للّذين ينزل بهم هذه البلايا من الثواب
بعد الموت إن شكروا وأنابوا ما يستصغرون معه ما ينالهم منها حتّى أنّهم لو خيَّروا
بعد الموت لاختاروا أن يردُّوا إلى البلايا ليزدادوا من الثواب .

فكّر يا مفضّل في الأعضاء الّتي خلقت أفراداً وأزواجاً ، وما في ذلك من الحكمة
والتقدير ، والصواب في التدبير ، فالرأس ممّا خلق فرداً ولم يكن للإنسان صلاح في أن
يكون أكثر من واحد ، ألا ترى إنّه لو اُضيف إلى رأس الإنسان رأس آخر لكان ثقلاً
عليه من غير حاجة إليه ، لأنَّ الحواسَّ الّتي يحتاج إليها مجتمعةٌ في رأس واحد ، ثمَّ كان
الإنسان ينقسم قسمين لو كان له رأسان فإن تكلّم من أحدهما كان الآخر معطّلاً لا إرب
فيه ولا حاجة إليه ، وإن تكلّم منهما جميعاً بكلام واحد كان أحدهما فضلاً لا يحتاج إليه ،
وإن تكلّم بأحدهما بغير الّذي تكلّم به من الآخر لم يدر السامع بأيّ ذلك يأخذ ، و
أشباه هذا من الأخلاط ، واليدان ممّا خلق أزواجاً ولم يكن للإنسان خير في أن يكون
له يد واحدةٌ لأنَّ ذلك كان يخلُّ به فيما يحتاج إلى معالجته من الأشياء ألا ترى أنَّ
النجّار والبنّاء لو شلّت إحدى يديه لا يستطيع أن يعالج صناعته ، وإن تكلّف ذلك لم
يحكمه ولم يبلغ منه ما يبلغه إذا كانت له يدان يتعاونان على العمل .

أطل الفكر يا مفضّل في الصوت والكلام وتهيئة آلاته في الإنسان ، فالحنجرة
كالاُنبوبة (2) لخروج الصوت ، واللّسان والشفتان والأسنان لصياغة الحروف والنغم ،
ألا ترى أنَّ من سقطت أسنانه لم يقم السين ، ومن سقطت شفته لم يصحّح الفاء ، ومن ثقل
لسانه لم يفصح الراء ، وأشبه شيء بذلك المزمار الأعظم ، فالحنجرة يشبة قصبة المزمار
والرية يشبه الزقَّ الّذي ينفخ فيه لتدخل بالريح ، والعضلات الّتي تقبض على الرية
ليخرجَ الصوت كالأصابع الّتي تقبض على الزقّ حتّى تجري الريح في المزمار ، والشفتان

والأسنان الّتي تصوغ الصوت حروفاً ونغماً كالأصابع الّتي يختلف في فم المزمار فتصوغ
صفيره ألحاناً ، غير أنّه وإن كان مخرج الصوت يشبه المزمار بالدلالة والتعريف فإنَّ المزمار
بالحقيقة هو المشبه بمخرج الصوت .

قد أنبأتك بما في الأعضاء من الغناء في صنعة الكلام وإقامة الحروف ؛ وفيها مع
الّذي ذكرت لك مآرب اُخرى ، فالحنجرة ليسلك فيها هذا النسيم إلى الرية فتروح
على الفؤاد بالنفس الدائم المتتابع الّذي لو احتبس (3) شيئاً يسيراً لهلك الإنسان ، و
باللّسان تذاق الطعوم فيميَّز بينها ويعرف كلُّ واحد منها حلوها من مرِّها ، وحامضها
من مزِّها ، ومالحها من عذبها ، وطيبها من خبيثها ، وفيه مع ذلك معونةٌ على إساغة
الطعام والشراب ، والأسنان تمضغ الطعام حتّى تلين ويسهل إساغته ، وهي مع ذلك
كالسند للشفتين تمسكهما وتدعمهما من داخل الفم ، (4) واعتبر ذلك بأنّك ترى من
سقطت أسنانه مسترخى الشفة ومضطربها ، وبالشفتين يترشَّف الشراب (5) حتّى يكون
الّذي يصل إلى الجوف منه بقصد وقدر لا يثجُّ ثجّاً فيغصَّ به الشارب أو ينكا في الجوف ،
ثمَّ هما بعد ذلك كالباب المطبق على الفم يفتحهما الإنسان إذا شاء ، ويطبقهما إذا شاء ،
ففيما وصفنا من هذا بيان أنَّ كلَّ واحد من هذه الأعضاء يتصرَّف وينقسم إلى وجوه من
المنافع ، كما تتصرَّف الأداة الواحدة في أعمال شتّى ، وذلك كالفاس (6) يستعمل في
النجارة (7) والحفر وغيرهما من الأعمال ، ولو رأيت الدماغ إذا كشف عنه لرأيته قد لفَّ
بحجب بعضها فوق بعض لتصونه من الأعراض وتمسّكه فلا يضطرب ، ولرأيت عليه
الجمجمة بمنزلة البيضة كيما يفتّه هدّ الصدمة والصكّة (8) الّتي ربّما وقعت في الرأس ،
ثمَّ قد جلّلت الجمجمة بالشعر حتّى صار بمنزلة الفرو للرأس (9) يستره من شدَّة الحرّ

________________________

(1) نكّل به : صنع به صنيعاً يحذّر غيره ويجعله عبرة له .

(2) وزان ارجوزة : ما بين العقدتين من القصب .

(3) وفي نسخة : لو حبس .

(4) دعم الشيء : أسنده لئلا يميل .

(5) رشّف الماء أي بالغ في مصّه .

(6) الفاس : آلة لقطع الخشب وغيره .

(7) وزان الكتابة : حرفة النجار .

(8) الصكة : الضرب الشديد أو اللطم .

(9) الفرو : شيء كالجبة يبطّن من جلود بعض الحيوانات كالارانب والسمور