بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 30

بيان : قال الفيروزآبادىُّ : شجت العروق والأغصان : اشتبكت . وقال : نكأ
القرحة كمنع : قشرها قبل أن تبرأ فنديت . انتهى . والمفائض في بعض النسخ بالفاء أي
مجاري من فاض الماء ، وفي بعضها بالغين من غاض الماء غيضاً ، أي نضب (1) وذهب في الأرض
والمغيض : المكان الّذي يغيض فيه . و « إلى » في قوله : إلى ما في تركيب بمعنى « مع » .
وقال الفيروزآباديُّ : الغضروف كلُّ عظم رخو يؤكل ، وهو مارن الأنف ، (2) وبعض
الكتف ، ورؤوس الأضلاع ، ورهابة الصدر ، وداخل فوق الاُذن . انتهى . وقوله : تتزايد
ولا تنقص أي النسبة بين الأعضاء . وبلوغ الأشدّ وهو القوّة أن يكتهل ويستوفي السنّ
الّذي يستحكم فيها قوَّته وعقله وتميزه .

انظر الآن يا مفضّل إلى هذه الحواسّ الّتي خصَّ بها الإنسان في خلقه وشرِّف
بها على غيره ، كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكّن من مطالعة
الأشياء ، ولم تجعل في الأعضاء الّتي تحتهنَّ كاليدين والرجلين فتعرضها الآفات ، و
تصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعلّلها ويؤثّر فيها وينقص منها ، ولا في الأعضاء
الّتي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلّبها واطّلاعها نحو الأشياء ، فلمّا لم يكن لها
في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواسّ ، وهو بمنزلة الصومعة
لها ؛ فجعل الحواسّ خمساً تلقي خمساً لكي لا يفوتها شيءٌ من المحسوسات ، فخلق البصر
ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم يكن منفعة فيها ، وخلق
السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب (3)
وكذلك سائر الحواسّ ، ثمَّ هذا يرجع متكافئاً ، فلو كان بصر ولم يكن ألوان لما كان للبصر
معنىً ، ولو كان سمع ولم يكن أصوات لم يكن للسمع موضع ، فانظر كيف قدّر بعضها
يلقي بعضاً فجعل لكلّ حاسّة محسوساً يعمل فيه ، ولكلّ محسوس حاسّةً تدركه ، و
مع هذا فقد جعلت أشياء متوسّطة بين الحواسّ والمحسوسات ، لا يتمُّ الحواسُّ إلّا بها ،
كمثل الضياء والهواء فإنّه لو لم يكن ضياءٌ يظهر اللّون للبصر لم يكن البصر يدرك اللّون ،

ولو لم يكن هواءٌ يؤدّي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت ، فهل يخفى على
من صحَّ نظره وأعمل فكره أنَّ مثل هذا الّذي وصفت من تهيئة الحواسّ والمحسوسات بعضها
يلقي بعضاً وتهيئة أشياء آخر بها تتمُّ الحواسُّ لا يكون إلّا بعمد وتقدير من لطيف خبير ؟ .

بيان : قوله عليه‌السلام : بعضها يلقي بعضاً حال أو صفة بتأويل أو تقدير .

فكّر يا مفضّل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في اُموره ، فإنّه
لا يعرف موضع قدمه ولا يبصر ما بين يديه ، فلا يفرق بين الألوان ، وبين المنظر الحسن
والقبيح ، ولا يرى حفرةً إن هجم عليها (4) ولا عدوّاً إن أهوى إليه بسيف ، ولا يكون له
سبيل إلى أن يعمل شيئاً من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة حتّى أنّه
لولا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى ؛ وكذلك من عدم السمع يختلُّ في اُمور كثيرة
فإنّه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ، ويعدم لذَّة الأصوات واللّحون بالشجيّة المطربة ،
ويعظم المؤونة على الناس في محاورته ، حتّى يتبرّموا به (5) ولا يسمع شيئاً من أخبار الناس
وأحاديثهم ، حتّى يكون كالغائب وهو شاهد ، أو كالميّت وهو حيٌّ ؛ فأمّا من عدم العقل
فإنّه يحق بمنزلة البهائم بل يجهل كثيراً ممّا يهتدي إليه البهائم ، أفلا ترى كيف صارت
الجوارح والعقل وسائر الخلال (6) الّتي بها صلاح الإنسان والّتي لو فقد منها شيئاً
لعظم ما يناله في ذلك من الخلل يوافي خلقة على التمام حتّى لا يفقد شيئاً منها ، فلمَ كان
كذلك إلّا لأنّه خلق بعلم وتقدير ؟ . (7)

بيان : روح المخاطبة بالفتح أي راحتها ولذّتها . والشجو : الحزن . ولا يتوهّم
جواز الاستدلال به على عدم حرمة الغناء مطلقاً لاحتمال أن يكون المراد الأفراد المحلّلة
منها كما ذكرها الأصحاب ، وسيأتي ذكرها في بابه ، أو يكون فائدة إدراك تلك اللّذّة
عظم الثواب في تركها لوجهه تعالى . وقوله عليه‌السلام : يوافي خلقة ، خبر صارت .

قال المفضّل : فقلت : فلمَ صار بعض الناس يفقد شيئاً من هذه الجوارح فيناله في
________________________

(1) أي جرى وسال . غار في الارض .

(2) أي طرف الانف ، أوما لان من طرفه .

(3) الارب : الحاجة .

(4) أي انتهى إليها بغتة على غفلة منه .

(5) أي حتى يملّوا ويضجروا به .

(6) جمع الخلة وهي الخصلة .

(7) وفي نسخة : إلا لانه خلق بعلم وبقدر .