بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 26

بيان : قاتلهم الله أي قتلهم ، أو لعنهم . أنّى يؤفكون كيف يصرفون عن الحقّ ؟
وقال الجوهريُّ : ظلَّ يتذمّر على فلان إذا تنكّر له وأوعده . انتهى . وغربت بمعنى غابت .
والإرب بالفتح والكسر : الحاجة . ووصفه بالإحالة أي بأنّه يستحيل أن يكون له
خالق مدبّر أو يستحيل أن يكون من فعله تعالى . والمانويّة فرقة من الثنويّة أصحاب
ماني الّذي ظهر في زمان سابور بن أردشير ، وأحدث ديناً بين المجوسيّة والنصرانيّة ،
وكان يقول بنبوّة المسيح ـ على نبيّنا وآله وعليه السلام ـ ولا يقول بنبوّة موسى ـ على
نبيّنا وآله وعليه السلام ـ وزعم أنَّ العالم مصنوع مركّب من أصلين قديمين أحدهما
نور والآخر ظلمة ، وهؤلاء ينسبون الخيرات إلى النور ، والشرور إلى الظلمة ، وينسبون
خلق السباع والموذيات والعقارب والحيّات إلى الظلمة ، فأشار عليه‌السلام إلى فساد وهمهم
بأنَّ هذا لجهلهم بمصالح هذه السباع والعقارب والحيّات الّتي يزعمون أنّها من الشرور
الّتي لا يليق بالحكيم خلقها . قوله عليه‌السلام : المعلّلين أي الشاغلين أنفسهم عن طاعة ربّهم
باُمور يحكم العقل السليم باستحالته ، قال الفيروزآباديُّ : علّله بطعام وغيره تعليلاً :
شغله به .

يا مفضّل : أوّل العبر والأدلّة على الباري جلَّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف
أجزائه ونظمها على ما هي عليه ، فإنّك إذا تأمّلت العالم بفكرك وميّزته بعقلك وجدته
كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده ، فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض
ممدودةٌ كالبساط ، والنجوم منضودةٌ كالمصابيح ، والجواهر مخزونة كالذخائر ، وكلُّ
شيء فيها لشأنه معدٌّ ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت ، والمخوّل جميع ما فيه ، وضروب
النبات مهيّأةٌ لمآربه ، وصنوف الحيوان مصروفةٌ في مصالحه ومنافعه ، ففي هذا دلالة
واضحة على أنَّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ، ونظام وملائمة ، وأنَّ الخالق له واحد
وهو الّذي ألّفه ونظمه بعضاً إلى بعض ، جلَّ قدسه ، وتعالى جدُّه ، وكرم وجهه ،
ولا إله غيره ، تعالى عمّا يقول الجاحدون ، وجلَّ وعظم عمّا ينتحله الملحدون .

بيان : قال الفيروزآباديُّ : نضد متاعه ينضده : جعل بعضه فوق بعض فهو منضود
انتهى . والتخويل : الإعطاء والتمليك . قوله عليه السلام : وإنّ الخالق له واحد

أقول : أشار عليه‌السلام بذلك إلى أقوى براهين التوحيد ، (1) وهو أنّ ايتلاف أجزاء العالم
واحتياج بعضها إلى بعض وانتظام بعضها ببعض ، يدلُّ على وحدة مدبّرها كما أنّ ارتباط
أجزاء الشخص بعضها ببعض وانتظام بعض أعضائه مع بعض يدلُّ على وحدة مدبّره .
وقد قيل في تطبيق العالم الكبير على العالم الصغير لطائف لا يسع المقام ذكرها ، وربّما
يستدلُّ عليه أيضاً بما قد تقرّر من أنّ المتلازمين إمّا أن يكون أحدهما علّة للآخر ،
أو هما معلولا علّة ثالثة ، وسيأتي الكلام فيه في باب التوحيد .

نبتدىء يا مفضّل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به ، فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين
في الرحم ، هو محجوب في ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ، وظلمة الرحم ، وظلمة المشيمة ،
حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى ، ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرّة ، فإنّه
يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذوا الماء النبات فلا يزال ذلك غذاؤه حتّى إذا كمل
خلقه واستحكم بدنه ، وقوي أديمه على مباشرة الهواء ، وبصره على ملاقات الضياء هاج
الطلق باُمّه فأزعجه أشدّ إزعاج ، وأعنفه حتّى يولد ، وإذا ولد صرف ذلك الدم الّذي
كان يغذوه من دم اُمّه إلى ثدييها فانقلب الطعم واللّون إلى ضرب آخر من الغذاء ، وهو
أشدُّ موافقةً للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمّظ وحرّك شفتيه
طلباً للرضاع فهو يجد ثديي اُمّه كالإداوتين المعلّقتين لحاجته إليه ، فلا يزال يغتذي
باللّبن مادام رطب البدن ، رقيق الأمعاء ، ليّن الأعضاء ، حتّى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء
فيه صلابةٌ ليشتدّ ويقوي بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس ، ليمضغ به
الطعام فيلين عليه ، ويسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتّى يدرك فإذا أدرك وكان ذكراً
طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعزُّ الرجل الّذي يخرج به من حدّ الصبا
وشبه النساء ، وإن كانت اُنثى يبقى وجهها نقيّاً من الشعر ، لتبقى لها البهجة والنضارة الّتي
تحرّك الرجال لما فيه دوام النسل وبقاؤه .

________________________

(1) الذي وصف عليه السلام به هذا الدليل هو أنه أول الادلة أي أقرب الادلة منا إذا أردنا
التفهم بالاستدلال ، وأما كونه أقواها كما ذكره رحمه الله فلعل هناك ما هو أقوى منه وإن كان أبعد من
أفهامنا كما بيّن في محله . ط