بحار الأنوار – الجزء الثالث – الصفحة 6

حظر الفساد والأمر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلّا بعد الإقرار بالله عزَّ وجلَّ ومعرفة الآمر والناهي ، فلو ترك الناس بغير إقرار بالله ولا معرفته لم يثبت أمر بصلاح ولا نهي عن فساد إذ لا آمر ولا ناهي . ومنها : أنّا وجدنا الخلق قد يفسدون باُمور باطنيّة (1) مستورة عن الخلق فلولا الإقرار بالله عزَّ وجلَّ وخشيته بالغيب لم يكن أحد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحداً في ترك معصية وانتهاك حرمة وارتكاب كبيرة إذا كان فعله ذلك مستوراً عن الخلق غير مراقب لأحد ، وكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين ، فلم يكن قوام الخلق وصلاحهم إلّا بالإقرار منهم بعليم خبير يعلم السرَّ وأخفى ، آمر بالصلاح ، ناه عن الفساد ولا تخفى عليه خافيةٌ ، ليكون في ذلك انزجار لهم عمّا يخلون به من أنواع الفساد .

فإن قال : فلمَ وجب عليهم الإقرار والمعرفة بأنَّ الله تعالى واحد أحد ؟ قيل : لعلل ، منها : أنّه لو لم يجب عليهم الإقرار والمعرفة لجاز أن يتوهّموا مدبِّرين أو أكثر من ذلك ، وإذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصانع لهم من غيره لأنَّ كلَّ إنسان منهم كان لا يدري لعلّه إنّما يعبد غير الّذي خلقه ويطيع غير الّذي أمره فلا يكونون على حقيقة من صانعهم وخالقهم ، ولا يثبت عندهم أمر آمر ، ولا نهي ناه ، إذ لا يعرف الآمر بعينه ، ولا الناهي من غيره ؛ ومنها : أن لو جاز أن يكون إثنين لم يكن أحد الشريكين أولى بأن يعبد ويطاع من الآخر ، وفي إجازة أن يطاع ذلك الشريك إجازة أن لا يطاع الله ، وفي أن لا يطاع الله عزَّ وجلَّ الكفر بالله وبجميع كتبه ورسله وإثبات كلَّ باطل وترك كلِّ حقّ ، وتحليل كلِّ حرام وتحريم كلِّ حلال ، والدخول في كلِّ معصية ، والخروج من كلِّ طاعة ، وإباحة كلِّ فساد ، وإبطال كلِّ حقّ ؛ ومنها : أنّه لو جاز أن يكون أكثر من واحد لجاز لإبليس أن يدَّعي أنَّه ذلك الآخر حتّى يضادَّ الله تعالى في جميع حكمه ، ويصرف العباد إلى نفسه فيكون في ذلك أعظم الكفر وأشدُّ النفاق .

فإن قال : فلمَ وجب عليهم الإقرار لله بأنّه لَيْسَ كمثله شيءٌ ؟ قيل : لعلل ، منها : أن يكونوا قاصدين نحوه بالعبادة والطاعة دون غيره ، غير مشتبه عليهم أمر ربّهم وصانعهم ورازقهم . ومنها : أنّهم لو لم يعلموا أنّه ليس كمثله شيءٌ لم يدروا لعلَّ ربّهم وصانعهم هذه الأصنام الّتي نصبتها لهم آباؤهم ، والشمس والقمر والنيران ، إذا كان جائزاً أن يكون عليهم مشتبهة (2) وكان يكون في ذلك الفساد وترك طاعاته كلّها ، وارتكاب معاصيه كلّها على قدر ما يتناهى إليهم من أخبار هذه الأرباب وأمرها ونهيها ؛ ومنها : أنّه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أن ليس كمثله شيءٌ لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والتغيّر والزوال والفناء والكذب والاعتداء ، ومن جازت عليه هذه الأشياء لم يؤمن فناؤه ولم يوثق بعدله ولم يحقّق قوله وأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه ، وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبيّة .

24 ـ ثو : أبي ، عن سعد ، عن ابن عيسى ، وابن هاشم ، والحسن بن عليّ الكوفي جميعاً ، عن الحسين بن سيف ، عن أبيه ، عن أبي حازم المدينيّ ، عن سهل بن سعد الأنصاريّ قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن قول الله عزَّ وجلَّ : وما كنت بجانب الطور إذ ناديناه. قال كتب الله عزَّ وجلَّ كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورق آس ، ثمَّ وضعها على العرش ، ثمَّ نادى يا اُمّة محمّد : إنَّ رحمتي سبقت غضبي ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا أنا وأنَّ محمّداً عبدي ورسولي أدخلته الجنّة برحمتي.

25 ـ سن : الوشّاء ، عن أحمد بن عائذ ، عن أبي الحسن السوّاق ، عن أبان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : يا أبان إذا قدمت الكوفة فارو هذا الحديث : من شهد أن لا إله إلّا الله مخلصاً وجبت له الجنّة. قال : قلت له : إنّه يأتيني كلُّ صنف من الأصناف فأروي لهم هذا الحديث ؟ قال : نعم يا أبان إنّه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأوَّلين والآخرين فيسلب منهم لا إله إلّا الله إلّا من كان على هذا الأمر.

سن : ابن محبوب ، عن عمرو بن أبي المقدام ، عن أبان بن تغلب مثله .

26 ـ سن : صالح بن السنديّ ، عن جعفر بن بشير ، عن الصبّاح الحذّاء ، عن أبان بن تغلب ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : من شهد أن لا إله إلّا الله فليدخل الجنّة ، قال : قلت : فعلى مَ تخاصم الناس إذا كان من شهد أن لا إله إلّا الله
دخل الجنّة ؟ فقال : إنّه إذا كان يوم القيامه نسوها .


(1) وفي نسخة : قد يفسدون بامور باطنة .

(2) في نسخة : مشبهاً .